مرتضى الزبيدي
394
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وبقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وبقوله : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ السبأ : 23 ] وبقوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] وإذا انقسمت الذنوب إلى ما يشفع فيه وإلى ما لا يشفع فيه وجب الخوف والإشفاق لا محالة ، ولو كان كل ذنب تقبل فيه الشفاعة لما أمر قريشا بالطاعة ولما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاطمة رضي اللّه عنها عن المعصية ، ولكان يأذن لها في اتباع الشهوات لتكمل لذاتها في الدنيا ثم يشفع لها في الآخرة لتكمل لذاتها في الآخرة ، فالانهماك في الذنوب وترك التقوى اتكالا على رجاء الشفاعة يضاهي إنهماك المريض في شهواته اعتمادا على طبيب حاذق قريب مشفق من أب أو أخ أو غيره ، وذلك جهل لأن سعي الطبيب وهمته وحذقه تنفع في إزالة بعض الأمراض لا في كلها ، فلا يجوز ترك الحمية مطلقا اعتمادا على مجرد الطب ، بل للطبيب أثر على الجملة ولكن في الأمراض الخفيفة وعند غلبة اعتدال المزاج . فهكذا ينبغي أن تفهم عناية الشفعاء من الأنبياء والصلحاء للأقارب والأجانب ، فإنه كذلك قطعا ، وذلك لا يزيل